الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا 

 

أبواب المجلة

المكتبة الإلكترونية

حول مجلة أفق

اختيارات عشوائية

المتواجدون الآن

يتصفح أفق حاليا:
34 ضيف/ ضيوف
0 عضو/ أعضاء

أكثر تواجد : 617
بتاريخ: 14-07-2007
الساعة: 04:12:59

البحث



إحصائيات

تم استعراض
8687875
صفحة منذ أكتوبر 2004

في النّثر والنّثرية (13) ... محمد خريف

أقواسأفق : الأثنين 03 يوليو 2006


صرخة إفلاس الأدب

إنّ دراسة ترنو إلى البحث في وجوه من جماليّة المقاومة في الخطاب الروائيّ العربيّ الحديث قد تمكّن من الظّفر بنتائج مؤقّّتة من أهمّها أنّ جماليّة الواقعيّة الاشتراكيّة ليست بجمالية خارقة وقادرة على أن تكون جماليّة الفعل الّذي يحوّل الواقع إلى واقع الاشتراكيّة البديل وهو مشروع تسعى إلى إنجازه رواية الواقعيّة الاشتراكيّة وذلك لقيام تلك الجمالية على وهم الصّرامة الّتي يرتجيها كل خطاب مذهبيّ من الرّواية والخبر بصفة عامّة- ومادّة الخطاب اللّغة ومقاماتها التي تخون المتراهنين عليها - وهم من أنصار جماليّة الواقعيّة الاشتراكيّة ومن سواهم من أنصار جماليّة السّلطة فاختلط الحابل بالنّابل وصرت لا تفرّق بين روائيي الواقعيّة الاشتراكيّة وروائيي السّلطة في التّنظير للأمور والتّظاهر بشعارات العدالة وحقوق الإنسان...

إذ يصير عدو الالتزام بمبادئ الواقعيّة الاشتراكيّة مناصرا لتلك المبادئ في أقلّ من يوم وليلة وتنطلي الحيل على قرّاء علاقتهم بالرّواية الواقعيّة تكاد ألاّ تختلف عن علاقتهم بأي نصّ أدبيّ آخر وهكذا ثبت بالمكشوف إفلاس المذهب القائم على أرضيّة غير صلبة أو هي أرضيّة تسمح للمتطفّلين أو المرتزقة بالسّير عليها وإزاحة الرّوائيين الحقيقيين واستبدالهم بأشباه الرّوائيين أو بأقزام الثّقافة الّذين انتموا إلى الرّواية من أجل العيش أو حلّ أزمة البطالة لمن أعوزتهم ظروف الدراسة أو استهواهم فرم الأدب بما يوفّره من فرص للاحتماء بالسّلطة غير خجلين من ادعائهم الإبداع وإبداء حقهم الشّرعيّ في الدّفاع عنه بمختلف الطّرق والأساليب ولو بالوشاية والكيد لمن اختلف عنهم متناسين أن ما يدّعونه من إبداع لم يكن في الواقع سوى أدب جماليّة السّلطة إذ لا يمكن للمبدع أن يكون ذا وجهين متقابلين وجه المقاومة ووجه الحراسة إلا إذا كان منافقا أو غادرا بولي نعمته وبئس الإبداع إن كانت هذه شيمته - وإن كنا لا ننفي وجود نقّاد وروائيين مخلصين للواقعيّة الاشتراكيّة إلا أنّهم يتعاملون مع السّلطة في البلاد العربيّة تعاملا ذكيا (والنعت لبعضهم) تماشيا مع طبيعة المرحلة دون تقديم تنازلات تمسّ بالمبدأ والممارسة وفي مشروعهم قدرة الثقافيّ على التأّثير في السّياسيّ وتوجيهه بحكم أن مصطلح السّلطة في البلاد العربيّة مصطلح قد يختلف عما هو عليه في الغرب وأن ثمار الثقافي ليست آنية وإنما يتطلّب حصادها سنين وحتّى قرونا وهذا ما قد يفسّر استمرار علاقة كتّاب من المغرب العربي على ما هي عليه من الانسجام والتّعاون مع السّلطة في دفع عجلة الثّقافة عن طريق الأنشطة الرسميّة التي يكون فيها للمثقّف حضور بارز دون التّكهّن أو السّؤال عن جدوى ذلك التّعاون وقد يحصل الواحد على المكافآت والجوائز التقديريّة دون أن يزعزع ذلك ثقة مريديه أو يشكّك في توجّهاته الأيديولوجية و الفكريّة.
وقد يلتقي أنصار جمالية المقاومة مع أنصار جماليّة السّلطة في منظومة الهيمنة والبقاء للأفضل وصرت لا تفرّق بين صاحب السّلطة في الدّولة وكاتب رواية أو ناقد رواية وقد لا تقلّ سلطة المنتمي إلى عالم الرواية عن سلطة الجامعي المجتهد المنضبط أو أي كاتب حاز تزكية السّلطة ونال رضاها وقد يصير إمضاؤه صكّا أو علامة مسجّلة تمكّنه من الغنم المادّي والمعنويّ.

إن جماليّة الواقعيّة الاشتراكيّة لا تحتاج إلي روائيين هذا دأبهم بقدر ما تحتاج إلى روائيين مؤمنين بالمبدأ متكتلين لا تاركين أمر النّضال للتّضحيات الفرديّة وإن كان للمبادرات الفرديّة أهمّية في تاريخ الشعوب وقد يؤجّل حصاد ثمارها إلى وقت غير مسمّى أو تضيع نتائج ذلك في خضمّ التّأويلات والتّفسيرات الّتي تتراكم على النّصوص الأدبيّة فتجعلها غير فاعلة ولا تعدو أن تكون إلا ضربا من الاحتلام أو هي أدب لا يمكنه بأية حال أن يتجاوز مرحلة القوة لذلك كان اليأس من خطاب الفكرة أو الأيدولوجيا وقد جرب منذ عهد ابن المقفّع وغيره وكان التفاؤل بخطاب آخر غير خطاب الأدب وليس هناك أفضل من النّثرية للتمرّد على الأدب وتمويهه والنّثرية كتابة من خارج النصّ متحرّرة من الأدب ومن قوالبه وتقاليده القاتلة.
وليست الرغبة في التحرّر من النصّ الأدبيّ و إكراهاته بمنعدمة في التّراث الأدبيّ العربيّ وإنّما هي مبثوثة في هذا النصّ الأدبيّ وذاك وهي دالّة على رغبة الذّات في التحرّر من نصوص الكمال والبيان لتجنح إلى الغموض والهذيان. والغموض كالهذيان مجاله النّقص وعدم الاكتمال وما أحوجنا إلى فوضى تريحنا من عقدة المعرفة أو مدام المعرفة أو المعرفة الكاملة كما يقول الدوعاجي(*) هامشيّا في جولة بين حانات البحر المتوسط.


الأدب والدّين والسّلطة

الدين والأدب والسلطة ثالوث متلازم بجوار المصلحة في الحضارة العربية الإسلامية فلا جمالية السلطة متخلية عن الأدب ولا جمالية المقاومة بمتخلية عن السلطة فهذا الثالوث بمثابة الإخوة الأعداء فرجال الدين ورجال الأدب لا يمكن لهم أن يعيشوا خارج السلطة ولا خارج صراع السلطة مع أدباء المقاومة وقد تعاضد السلطة الدينية السلطة السياسية ويتهم في معظم الأحيان الداعون إلى جمالية المقاومة بالزندقة والمروق ولا يمكن في هذا المجال التّمييز بدقة بين التّهم الدّينية والتّهم السياسيّة والتّهم الأدبيّة.
وكان من نتائج هذا الوضع المعقّد أن تحرص السّلطة على حماية أدبها وبالتّالي حماية الأدب على طريقتها وحسب جماليتها التي ما كان لها أن تكون لولا وجود جماليّة المقاومة ولولا وجود هذه العلاقة الأبديّة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وإن تغيّر الزّمان والمكان وتغيّرت أساليب العيش وأسباب التمدن وما يقتضيه من فصل أو وعي بالفرق بين ما هو من جماليّة السلطة وما هو من جمالية المقاومة.
وقد كان الوعي بأهمّية هذا الصّراع فعبرت عنه أعمال أدبيّة بطريقة أو بأخرى وكانت المواقف متباينة حول طبيعة العلاقة بين الأدب والسّلطة إذ منها ما يبارك هذا الصّراع ويرى أن واجب جماليّة المقاومة أن تضحّي اقتداء بالأنبياء وعظماء التاريخ ومنها من يئس من هذه الحلقة الدموية المفرغة وحكم على الأدب في مفهومه التقليدي بالموت وانقضاء الصّلوحيّة لذلك كانت الدّعوة إلى قبر جماليّة المقاومة أملا في قبر جمالية السلطة فتموت الرّواية تبعا لذلك لصالح ولادة الكتابة، كتابة الاختلاف. ولعلّ في صرخة صنع الله إبراهيم صرخة لا في وجه السّلطة فحسب وإنّما في وجه جماليّة السّلطة الّتي لا تختلف كثيرا عن وسائل جماليّة المقاومة في الرّكون إلى ثنائيّة الأدب باعتباره وجها وقفا وبين التّأويل والتّأويل المضاد، يركب هذا فرس ذاك، وقد تحصد جماليّة السّلطة ما بذرته جماليّة المقاومة بتبدّل السّلطان فيبقى الأديب أديبا وإن أكره رجال السّياسة على التّخلّي أو التّنحّي أو الإطاحة بهم ولا يتخلّى عن جماليّة السّلطة أو يطاح بها وتنشأ لها أو لا تنشأ جماليّة مقاومة أخرى كان مصير أصحابها مصير من سبقوهم فلا جزاء لهم غير التّنكيل والرّفض والغانم على الدّوام جماليّة سلطة شفيعها الأوحد ملء الرّفوف بما ينسجم مع السّلطة من أدب ليس من المستحيل التخلّي عنه من أجل خطاب آخر يكون للمقاومة وتحرير الشّعوب، بل تحرير الإنسان بعد أن قزّمت جمالية السّلطة جماليّة المقاومة بالرّعاية والجوائز وغيرها من مغريات التّكريم والتّشريف.

(*) علي الدّوعاجي، جولة بين حانات البحر المتوسط، الطبعة الثالثة، الدار التونسية للنشر.
محمّد خريّف/ ناقد من تونس
krfmohamed@yahoo.fr
krfwriterotext.site.voila.fr
 

 

روابط ذات صلة

خيارات

 

الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا