الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا 

 

أبواب المجلة

المكتبة الإلكترونية

حول مجلة أفق

اختيارات عشوائية

المتواجدون الآن

يتصفح أفق حاليا:
31 ضيف/ ضيوف
0 عضو/ أعضاء

أكثر تواجد : 617
بتاريخ: 14-07-2007
الساعة: 04:12:59

البحث



إحصائيات

تم استعراض
8664046
صفحة منذ أكتوبر 2004

تراتيل الوأد ... د. مي أحمد

قراءاتأفق : الجمعة 28 يوليو 2006


رواية سوريالية لجاسم الرصيف

النسخة التي بين يدي من الرواية هي طبعتها الثالثة الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2004. غير أن غلافها الأخير يقول أنها صدرت في طبعتها الأولى عام 1992 وفازت بجائزة الرواية الأولى في العام 1994, ولست أدري هل كان كل ذلك داخل العراق أم خارجه.. فأنا أعرف أن هذه الرواية قد أحالت مؤلفها جاسم الرصيف إلى السجن لمدة عشر سنوات ومنذ ذلك التاريخ لم أعد أعرف عن الرجل إلا نتفا من الأخبار من هنا وهناك. الحمد لله على كل حال وأي حال.

سأقدم قراءتي لهذه الرواية التي تقع في 310 صفحة من القطع المتوسط. وليسمح لي القارئ الكريم فهي قراءة مليئة باسقاطاتي الذاتية فقد كنت في الموصل أثناء أحداث هذه الرواية. وفيما بعد في بغداد كي يكتمل مشهد المأساة أمام عيني.


جاسم الرصيف :
قبل أسبوع كتبت إيميلا لصديق شاعر معروف جدا يقيم حتى الآن في مدينة الموصل, سألته أن يحكي لي كل ما يعرف عن جاسم الرصيف. ومن ضمن ما كتبه لي الصديق الذي أتحفظ على ذكر اسمه هذه الفقرات التي اقتطعها لكم كونها ستدخل في قلب رواية تراتيل الوأد:
(ولد جاسم الرصيف في قرية (الهرم) التابعة لناحية (حمام العليل) من محافظة نينوى، ثم انتقلت عائلته إلى (الموصل) بسبب شح الأمطار وضآلة محاصيل الحنطة والشعير التي أدمن زراعتها أبوه عن جده عن أبيه، ودخل جاسم المدرسة حتى تخرج من الثانوية. وكان طالبا غاية في المشاكسات مع المدرسين وحتى الطلاب، ربما لأنه الإبن المدلل كونه الذكر الوحيد من بين خمس أخوات أصغر منه، وربما لأسباب أخرى قد يمر ذكرها لاحقا...
لم تنقطع علاقتهم بالقرية قط، ولحد الآن، وهذه القرية التي تبعد عن (الموصل) ثلاثين كيلومترا في أبعد بيوتها عن المدينة، وتبعد مجرد كيلو مترين عن أهم شارع من شوراع العراق: طريق الموصل ــ بغداد.
مازالت القرية (حتى 2006) تكتال مياه الشرب في الشتاء من بركة كبيرة تجاورها، يدعوها أهل الهرم (الخبرة!!) الملآنة بدعاميص الضفادع وأنواع شتى من الحشرات, يسخر أهل الهرم من تحذيرات المتعلمين من دعاميصها وحشراتها فيصفونها ساخرين: لحوم غير ضارة في مياه الطبخ والشرب, ولا بأس من أكلها!...
ينتمي جاسم الرصيف إلى عشيرة (السادة البوبدران) الذين يعودون في نسبهم إلى (بني هاشم)، وهذه العشيرة تمتد من شمال محافظة نينوى إلى سامراء والبصرة جنوبا وإلى دير الزور والرقة والحسكة ودمشق في سوريا غربا والأردن والسعودية ودول الخليج العربي الأخرى...
كان جده (خلف حسين عبد الله الرصيف البدراني) قد نال إرثا من ذويه في دير الزور مما يؤكد لي أنهم قدموا من هناك إلى العراق قبل (سايكس ــ بيكو) يوم كانت الأرض العربية لمن يسكنها أيا كان، كما أن جده وعمه الأكبر محمود ووالده قد ذهبوا لزيارة أقاربهم في دير الزور عشرات المرات على ظهور الخيل...
من أبرز ما علمته العائلة (الرصيف) لابنها جاسم، حب الصيد والرماية...
الشجاعة من أشهر ما هو معروف عن عائلة جاسم، ولذلك تحاشت العوائل الأخرى المشاكل معهم، بعد أن أسس (خلف الرصيف) للعائلة إرثا عريضا في هذا المجال مذ كان شابا أيام العهد العثماني وضربت المجاعة قرانا في الموصل فترة طويلة فراح (خلف الرصيف) يغير على ثكنات الجندرمة الأتراك ويسرق من مخازنها الطعام لعائلته وعوائل أولاد عمه في نفس الوقت، وقد خاض عدة معارك مع الجندرمة التركية بسبب سطواته تلك، خاصة وأن رجالا آخرين من أولاد عمومته قد انضموا إليه، فصدرت بحقه ثلاثة أحكام بالإعدام لم يعرها بالا وهو يردد، ومازلت أتذكر ذلك عنه: مادمت طير برية فلن أخاف أحدا غير الله !!).


معنى كلمة الوأد :
حين تفتح القاموس المحيط ستجد من معاني كلمة الوأد
- دفن البنات المولودات وهن حيات كما كان يحدث في زمن الجاهلية
- الصوت المنبعث عن انهيار كيان ضخم

أما تراتيل الوأد... فهي هدير الطائرات القاصفة وأصوات الانفجارات وصراخ البشر الذي صاحب انهيار كيان ضخم.. قد يكون هذا الكيان هو العراق... لكني بصورة أدق أراه انهيار كيان العراقي... كما ستحصل في نهاية الرواية حادثة وأد لبنت يقل عمرها عن سنة.


ثيمة الرواية :
الثيمة أو جوهر الفكرة التي أسست الرواية تريد القول: ( الحدث كان أكبر منا لذلك انهارت صورة المثال في أعيننا.. فنكصنا).
والنكوص كما سنرى سيكون نكوصا فرديا.. ونكوصا اجتماعيا.
ما معنى النكوص ؟
في مفاهيم علم النفس ومفاهيم علم الاجتماع... ينشأ الإنسان صغيرا ثم يكبر, لكل مرحلة عمرية من حياته نوع من السلوك والاعتماد على الغير, حين يكون الطفل رضيعا فهو يعتمد على الغير تماما وحين لا يلبي له الغير متطلباته فهو يبدأ بالبكاء.
كلما كبر هذا الرضيع قل اعتماده على الغير وقل بكاؤه.. إلى أن يصير رجلا بالغا كاملا قادرا على تصريف كل أموره بنفسه دون تذمر أو شكوى حتى لو كان واقع الحال يتطلب ذلك.

يحصل في حياة البعض منا أن تقع لهم مشاكل أكبر من طاقتهم أو قدرتهم على المواجهة أو التحمل, عندها يتخذ بعض البشر من النكوص ميكانزم دفاعي ليساعدهم على المقاومة والاستمرار... فينكصون إلى مرحلة عمرية أقل, حين كانوا يطلبون العون من الغير, الأب أو الأخوة أو الأهل والأصدقاء... وهذا ليس عيبا إذا كان لفترة محدودة جدا.. لكن بعض الأفراد تكون مشاكلهم كبيرة وحادة لا يستطيعون مواجهتها حتى بعد انتهاء أزمتها, عندها يتقوقعون داخل حالة النكوص ولا يغادرونها بعد ذلك.. عندها يتحول النكوص إلى حالة نفسية أو مرض نفسي.

أما النكوص الاجتماعي فمصيبته أكبر وأعم وأشمل. المجتمع الإنساني يعيش مثل كائن حي يولد طفلا ثم يكبر وتعتريه عوارض عدة. حين ينمو المجتمع سليما فإنه يمارس آلياته في التفكير والتعلم وممارسة الحياة والقيم بشكل طبيعي, والإنسان بطبعه محب للتغيير والتطور.
تحصل في بعض المجتمعات حركات لنبذ القديم وإحلال الجديد محله في التفكير وأسلوب الحياة, ومن سوء حظ ذلك المجتمع المعين, أن تترافق مع حركته التجديدية آفة لا علاقة لها بالتجديد, فيضان أو غزو جراد, أو حرب لسبب عادل أو غير عادل, هذه الآفات تصيب المجتمع بأذى فادح يكون غير قادر لا على رده ولا على تحمله.. عندها ينكص المجتمع.
لكن المجتمع لا أب له أو أخوة أو أصدقاء.. إذن كيف سيكون نكوصه؟
حين ينكص المجتمع.. فإنه يتخلى على الفور عن جديده في التفكير وأسلوب الحياة.. ويعود ليس إلى القديم.. بل إلى ما هو أقدم منه, فيحاكيه في الأفكار وأسلوب الحياة.. لا بل أحيانا حتى في طراز الملابس.. ألم تلاحظوا كم الرجال الذين عادوا الآن إلى ارتداء الدشداشة والعباية مع أنهم إلى ما قبل سنوات قليلة كانوا يرتدون الزي الرجالي المتعارف عليه عالميا؟
ولن نتحدث عن الحجاب مخافة أن تدخلونا في متاهات نسائية إذا كان لها أول فليس لها آخر.
وليت الأمور توقفت عند هذا.. فالناكصون الأوائل سيبدأون بمحاربة من لم يعتريهم النكوص باعتبارهم خارجين على إجماع الملة.. وتستمر العملية إلى أن يندحر المجتمع بأكمله.. فكريا وثقافيا وحضاريا.. قبل أي شيء آخر.


قصة الرواية :
القصة التي تدور بين أرجائها أحداث رواية "تراتيل الوأد" هي قصة عائلة مكونة من أب وثلاثة من أبنائه أثناء فترة العمليات العسكرية التي صاحبت إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991 .


حبكة الرواية :
حبكة الرواية حبكة هشة فهي ليست صراع بين قوتين حتى لو كان بينهما أي مقدار من الفرق في القوة. بل هي هذيانات أو (تراتيل) تتداخل فيها الأصوات والكلمات والصور إلى الحد الذي ترى وتسمع فيه كل شيء, لكنك في نفس الوقت لا ترى شيئا ولا تسمع شيئا.. لأن فوضى الحرب تخلط الحابل بالنابل.
صورة حبكة الرواية تشبه بالضبط صورة حجر ضخم يقذف بقوة إلى بركة ماء محيلا إياها إلى رذاذ متناثر في كل الإتجاهات حيث لا رابط ولا سلطة ولا قيمة. عندها يقع الانهيار .


الأسلوب السردي للرواية :
اعتمد جاسم الرصيف على أسلوب كتابة يوميات الحرب يوما بيوم منذ يومها الأول 17 كانون الثاني 1991 ولغاية يوم وقف العمليات العسكرية للحرب في 27 شباط 1991 .
غير أنه اتبع آلية مضافة وهي أن تقوم الشخصيات الرئيسة في الرواية بسرد الأحداث كل من وجهة نظرها.. وهذا بقدر ما يكشف لنا أمورا كنا نجهلها.. بقدر ما يضعنا أمام حيرة كبيرة إذ لا ندري معها من نصدق ومن نكذب.
كنت قد تعرفت على هذه الآلية في الكتابة عند الكاتب الياباني راينوساكي أكوتاجوا في رائعته راشامون التي لا تقل كآبة ومأساوية وغموضا عن تراتيل الوأد عند جاسم الرصيف .


الرموز في الرواية :
بنت الجن, رصاصة الشيش خان ذات الست خناجر, البرتاوات, الثعالب, الكلاب, الغزلان, الإنكليز, العثمانيون, مقبرة الطعس.
كلها كانت رموزا أحسن جاسم الرصيف استعمالها في الرواية محولا إياها إلى جرح ممض عصي على الشفاء.


لغة الرواية :
لغة الرواية كانت من المحكي اليومي في أي مكان من العراق. عدا لغة خلف القشعام, فقد كانت لغة محملة بالرموز والألغاز ويتداخل بها عقل ولسان ثمانية شخصيات تحمل اسم القشعام .
استطاعت هذه اللغة التي واربها جاسم الرصيف بين البوح والكتمان أن تسمي لنا كل شيء دون أن تقول شيئا.. كانت تتكلم في عقولنا.. دون أن تتكلم بلسانها, وحين يصير ما في ذهنك خطرا وتعاقب عليه السلطة الحاكمة.. فأنت الذي تصورت ذلك.. لا الشخصية حكت, ولا مؤلفها كتب.. ومع هذا.. لم يعف جاسم الرصيف من عقوبة السجن عشر سنوات.. ليس بسبب روايه تراتيل الوأد.. ولكن بسبب ما كان يقوله خلف القشعام بالتحديد.


شخصيات الرواية :
أحسن جاسم الرصيف استغلال شخصية جده (خلف الرصيف) ليؤسس منها شخصية (خلف القشعام). وهي شخصية أسطورية تمتلك ثمانية وجوه وثمانية أسماء هي: خلف القشعام, أبو الأبرد البدراني, خلف أبو الأبرد القشعام, خلف البدراني, خلف أبو الأبرد البدراني, أبو الأبرد, البدراني, القشعام البدراني.
وانت تقرأ كلام القشعام في كل وجوهه وأسمائه عن الإنكليز والعثمانيين والجوع والشجاعة والبطولة.. تتبادر إلى ذهنك شخصية (القائد الضرورة). ولم يكن يعوز جاسم الرصيف إلا أن يسمي القشعام (صدام) حتى تتوضح الصورة تماما.
وبربط القشعام بواقع الرواية الذي هو يوميات الحرب العالمية (الأولى) على العراق من ثلاثة وثلاثين دولة.. يصبح من الضروري الكلام عن (القائد الضرورة) الذي لم تذكره الرواية باسمه أو شهرته أو كنيته ولا مرة واحدة.. لا مدحا ولا ذما ولا حتى ذكرا عابرا, وذلك مبرر جدا ما دام خلف القشعام قائما بدله وعوضا عنه.
وحين تصل المواقف إلى أقسى أزماتها.. تسمع جاسم الرصيف يقول (وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة) في كناية عن قهوة ودخان مضيف القائد الضرورة الذي سببت لنا سياسته كل تلك المآسي.. السياسة التي لم تكن تمتلك غير الكلام الذي ليس له أي معنى, ونحن نقاسي أصعب مآسينا الشخصية, في سبيل خبال وجنون العظمة الذي كان يراود القائد كل حين.
(خلف القشعام) الذي في الرواية أب لثلاثة أولاد. جواد وزيدان والمفقود.
(جواد) ابن القشعام البكر.. هاجر إلى المدينة ويرفض العودة للقرية رغم كل قساوة ظروف الحرب. (سايب) كما يسميه أبوه.. لكن هذا السايب كانت له عائلة, زوجة وولدين وطفلة رضيعة مشلولة تماما, ومن سخرية القدر.. كان اسمها: أمل
ستقرأون فصولا مثيرة للغثيان إلى حد التقيؤ.. كيف كان (جواد القشعام) يجمع لعائلته فضلات الطعام.. من تنكات الزبالة في أحياء الموسرين.. فقط من أجل إبقاء أفراد العائلة أحياء, كانوا كل ماله في الحياة, ولم يكن يستطيع أن يفقدهم بسبب شيء بسيط لا أهمية له اسمه: الجوع.
كان يجمع تلك اللقم تحت قصف المقاتلات الأمريكية.. ومع هذا.. ففي نهاية الرواية, يفقد جواد القشعام زوجته وولديه.. ولن تبقى معه غير (أمل) المشلولة تماما والتي لا يتحرك فيها غير محجري عينيها.

(زيدان) ابن القشعام الأوسط.. أخذته قادسية صدام (المجيدة) عدة سنوات ليكون نزيل خنادق الخوف والجوع والموت والألم.. لكنه رغم ذلك لم يفقد إنسانيته, ولا حبه للحياة. في فترات إجازته من الجيش كان يعمل مثل حمار من أجل أن يجمع مبلغا من المال قيمته 2500 دينار عراقي.. بعد اجتياح العراق للكويت صارت لا تساوي ثمن عدة أرغفة من الخبز, أو علبة سجائر. ومع هذا تحمل زيدان خلال فترة الحرب العالمية الأولى من 33 دولة على العراق, مسؤولية والده.. وزاد عليها مسؤولية تحمل عبء عائلة من أم وثلاثة أطفال, أضاعوا بطاقتهم التموينية, التقاهم صدفة عند البقال الذي يسلم حصص البطاقة التموينية للمواطنين.

(المفقود) ابن القشعام الأصغر.. ذلك الذي لم تنبت لحيته ولا نبت شارباه.. والذي لم يزل رذاذ الحليب حول فمه عندما استدعته طبول الحرب ليكون واحدا من حمله أسلحتها وراياتها.. لكنه يفقد على الفور, هل هو ميت؟ هل هو حي؟. جرح ممض لا يعرف معناه إلا من فقدوا أعزاء أحبة في نفس الظروف.
ذلك المفقود, لم يمنحه جاسم الرصيف اسما.. لأنه كان كل الذين فقدهم الوطن.. كان أنت وأنا وهو وهي.. بعضنا فقد بالموت, وبعضنا فقد بالتهجير, وبعضنا فقد بالهجرة الإجبارية, بعضنا ضعنا أسرى, وبعضنا غيبتنا سجون الظلم, وبعضنا فقد حين تقوقع على نفسه وأغلق باب بيته وباب عقله وصار ميتا حيا يأكله الألم... مهما كانت نوعيه محننا فقد لمتنا صفة واحدة هي أننا (مفقودون).

حين تنتهي يوميات الحرب في فعالياتها العسكرية.. سنجد زيدان الابن الأوسط.. يصرخ مولولا ينادي القشعام بكل أسمائه عله يجيب.. ولكن لا حياة لمن تنادي.
زيدان البطل الذي ضاع عمره في الخنادق والذي عانا ما عانا دون سؤال أو شكوى.. انهار ونكص. إذن من سيصمد في محنة تلك الأيام؟
أما جواد الابن الأكبر فقد كانت مأساته أكبر.. أثناء الحرب فقد زوجته وولديه في ظروف غامضة ولا يعلم موتهم من حياتهم.. ولم تبق معه غير أمل المشلولة التي لا يتحرك منها غير محجري عينيها.
عند ذاك ينكص هو الآخر.. يحمل ابنته ويذهب إلى عند القشعام, الذي ينصحه بدفن أمل أو وأدها.. في قبر القشعام نفسه.. القشعام يقول لولده جواد: لاصغار عند الشعوب التي قدر الله لها القتال.. يكاد قبري يتسع لها الآن فادفنها هناك.
تماما مثل قبر البعث اليوم عند اجتثاثه, كم ستدفن فيه من ذكرياتنا وجهودنا وسيرنا الشخصية, لا لشيء إلا لأنها تزامنت مع فترة كان فيها صدام والبعث هو الحاكم والمتحكم.. ولست أدري عندما يحكم بلدك حاكم ظالم, هل عليك أن تغادر البلد وتتشرد لتثبت نظافتك؟ إذا كان المنطق هكذا, فهل كل أهلنا الذين بقوا في العراق مشكوك في أمرهم؟؟!!


شهادتي على وقائع الحرب :
يسرد جاسم الرصيف في وقائع اليوم الأول للحرب كيف أن الحيطان اهتزت ورشقهم نثار الزجاج المتطاير بالعديد من الجروح.
في نفس تلك اللحظة كنت أنا نائمة في الطابق الخامس من فندق نينوى ابروي صحوت على صوت طرق عنيف على الباب, حين فتحت الباب كانت الهندية المس كانجي مديرة استقبال الفندق تطلب مني بهلع أن أنزل إلى الملجأ, صرخت بوجهي بالإنكليزية : حرب.. حرب, لقد بدأت الحرب.
الضربة الأولى على مدينة الموصل كانت حين أغارت القاصفات القادمة من قاعدة إنجرلك التركية على مخازن الذخيرة والعتاد العسكري العراقي في بادوش فأحالت الحياة في الموصل خلال العشرة أيام المقبلة إلى كابوس مرعب.. كل عدة دقائق يثور كدس عتاد وينفجر مزلزلا الأرض تحت أقدام كل من في الموصل.
عند الساعة الثانية صباحا.. أغارت نفس الطائرات على محطة تلفزيون الموصل وضربت شبكة المايكروويف ومنظومة الكيبلات المحورية, لتعطيل كل الاتصالات المدنية والعسكرية.
بعد عشر ساعات.. وكانت الواحدة ظهرا في اليوم الثالث من الحرب, رأيت القاصفة العملاقة تطير بحماية أربع طائرات مقاتلة صغيرة الحجم.. وقفت فوق سايلو حبوب الموصل وأفرغت حمولتها.
وحين صحونا صباحا في اليوم الثامن من الحرب.. وجدت القاصفة قد أفرغت حمولتها فوق الدائرة البديلة التي كنت قد أرسلت من بغداد لشغلها طيلة مدة الحرب, محيلة أياها إلى حفرة بعمق حوالي 15 مترا, وكان ذلك مقصودا, فقد ظن القاصفون أننا ربما نمتلك طوابق تحت الأرض نخفي بها الأجهزة الثمينة التي هربنا بها من بغداد لإخفائها في أماكن بعيدة آمنة.
نحن دائرة مدنية لا علاقة لنا بالعسكر إطلاقا.. لكني بعد أربع ساعات من قصف دائرتي وجدت ضابط استخبارات عسكرية يسلمني ورقة فيها أمر من العاصمة بترك كل شيء على حاله والعودة إلى بغداد.
ولن أحكي لكم عن مأساة العودة إلى بغداد بقطار الليل وتحت القصف فتلك حكاية أخرى.
حين وصلت إلى بغداد في الثامنة صباحا.. كانت خالية إلى حد الرعب.. ولم يكن يشغلها غير أعمدة الدخان.
سيارة شرطة النجدة نقلتني إلى بيت أهلي فوجدته مقفلا.. وورقة ملصقة على زجاج النافذة تخبر أنهم سافروا إلى أهلنا في كركوك. حملتني السيارة إلى بيت أهل زوجي.. وجدته مقفلا أيضا كانوا قد غادروا إلى مدينة الشامية.. أما زوجي فقد كان جنديا وحدته في مدينة ميمك على الحدود العراقية الإيرانية.
عدت إلى بيتي, طرقت أبواب شارعنا بيتا بيتا.. ولم أجد فيها أحدا. عدا بيت في نهاية الشارع تشغله سيدة مسنة وولدها جندي وحدته في بغداد لذلك هو يأتي إلى البيت كل ثلاثة أو أربعة أيام.
هل يمكن أن تكون هناك كلمات تصف حال الإنسان عندما يشغل المدينة وحيدا.. لا ينتظر غير غارة الغروب أو غارة الفجر.. بلا ماء أو كهرباء أو غاز أو نفط؟
عشت لأكثر من أسبوع فقط على الجزر المبروش.. حين يأتي وقت الوجبة.. أبرش جزرة في صحن وآكلها بالملعقة وأشرب بعدها كوب ماء. وكنت موقنة أنني سأتحول ذات يوم إلى أرنب, إما بسبب الحرب, وإما بسبب الجزر.
منطقتنا السكنية مليئة بالمواقع التي يجب قصفها.. غير أني لن أشهد ليلة مدمرة من الرعب مثل تلك الليلة التي أغاروا فيها على فرع أبو جعفر المنصور للحزب.. كان رعبا يفوق أي تصور وخارجا عن كل حدود الإدراك.
في صباح اليوم التالي بحثت عن دائرتي.. وجدتهم يشغلون الملجأ رقم (..) المجاور لملجأ العامرية.. انتظمت للعمل معهم أثناء النهار.. وفي الليل كنا ننام في الملجأ أيضا. مع العوائل التي كانت تأتي للاحتماء من هول تلك الليالي.
قبل عشرين ساعة من قصف ملجأ العامرية كنا قد علمنا (أن السيد الرئيس وبصحبته ضيفه الروسي بريماكوف) قد باتا الليلة الماضية في ملجأ العامرية.
من هو بريماكوف؟
ولد بريماكوف في مدينة كييف بأوكرانيا سنة 1929 وتخرج من معهد موسكو للدراسات الشرقية سنة 1956 وعمل في راديو موسكو/ قسم البلدان الأجنبية. ثم حصل على الدكتوراه في الاقتصاد سنة 1959. درس اللغة العربية وأجادها ويتكلم اللهجة العراقية الدارجة بشكل متقن. قضى بريماكوف فترة الستينات في المنطفة العربية مراسلا لصحيفة برافدا وعميلا لوكالة مخابرات (كي جي بي) وتعرف عن قرب على معمر القذافي وصدام حسين.
عند عودته من المنطقة العربية صار عميدا لمعهد الدراسات الشرقية حتى عام 1985 أما في العام 1990 فقد صار بريماكوف مستشارا للرئيس غورباتشوف الخاص للشؤون الخارجية.. في تلك الفترة الحرجة من عمر الاتحاد السوفيتي قبل انهياره.. حيث كان التنسيق في كل المجالات بين الروس والأمريكان في أعلى معدلاته لأول مرة في تاريخ العلاقة بين البلدين .
في تلك الزيارة أراد بريماكوف الذي يقوم الآن بدور مبعوث أمريكي لصدام لإقناعه بإعطاء أوامر عسكرية إلى الجيش العراقي تأمره بالانسحاب من الكويت.
لكن صدام وكالعادة كان ممتطيا صهوة عناده.. وليكن ذلك نارا وشرارا فوق رؤوس الخلق, يشجعه على ذلك علمه أنه فتى الأمريكان المدلل وأنه حتى لو عاندهم فلن يضحوا به, الظرف الدولي كان دقيقا وهم محتاجون لوجوده لضبط منطقة الخليج خلال الفترة اللاحقة التي سينهار بها الاتحاد السوفيتي.
كانوا من تحليلهم لشخصية صدام, يعرفون أنه (بطل) مادامت التضحية بدماء الناس وأرواحهم ولكن إذا وصل الخطر إلى دمه أو روحه فما أكثر التنازلات المذلة التي يقدمها والتي كان يسميها (مبادرات).
قرر الأمريكان أنه للحصول على (مبادرة) من صدام يسحب بموجبها الجيش العراقي من الكويت, أن يضعوه وجها لوجه أمام الموت (موته الشخصي هو نفسه). أرسلوا له بريماكوف ليفاوضه في الانسحاب.. وحين عاند.. قصفوا له ملجأ العامرية الذي كان ينام فيه مطمئنا ليلة البارحة.
في اللحظة التي قصف بها ملجأ العامرية هرولنا ركضا خارج ملجأنا.. كنا نعتقد أننا سنقصف أيضا. وفي تلك اللحظة.. رأينا صدام وبريماكوف قد وصلا إلى الموقع حتى قبل أفراد الدفاع المدني.. وقبل أن يتكاثر الناس في المكان حملتهم السيارة العسكرية وغادرت إلى مكان مجهول. لقد كانا ينامان في تلك الليلة في ملجأ آخر من تلك الملاجئ الكثر المنتشرة حول القرية الرئاسية.
بعد ثلاثة أو أربعة أيام أطلق القائد (مبادرة) دعت الجيش العراقي إلى الانسحاب.. فانسحب أولاد الخايبة بشكل غير منظم.. ومن يتفرج على البومات صور الانسحاب يدرك أي جريمة لا مسؤولة ارتكبها قائد أحمق بحق جيش مؤدلج مغلوب على أمره.
الآن.. وبعد خمسة عشر عاما على جريمة ملجأ العامرية.. يجب أن نسمي الجناة ونحكي قصتهم, قصة الدم البارد الذي أحرق ما يزيد على ألف إنسان إلى حد التحجر من شدة التفحم, لإرغام أحمق على اتخاذ قرار. ولا تصدقوا الهراء الذي تناقلته وسائل الإعلام عن الاستهداف الخطأ للملجأ. كل شيء كان قد تم وفق خطة مدروسة بإتقان.
وعودة إلى جاسم الرصيف ورواية تراتيل الوأد, لا نملك ونحن نتذكر كل ذلك غير أن نردد مع جاسم الرصيف:
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة

د. مي أحمد/ كاتبة عراقية
mayahmed2005@hotmail.com
 

 

روابط ذات صلة

خيارات

 

الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا