 | | |
 |
|  |
|
متعة التلصص على اللغة من ثقوب العالم ... يوسف فنان |
أفق : الجمعة 11 أغسطس 2006 |
|
قراءة في ديوان: "طعم لأسماك طائرة" للشاعر "رشيد منسوم"
الأسماك الطائرة ليست كائنات خرافية، هي كائنات موجودة فعلا. هي أسماك مدججة بأجنحة تطير من البحر هربا من الوحوش لتصطاد في الهواء ما تقتات به. تهرب من الموت لتلتقط الحياة وتعود للعبة الموت مجددا في دائرة تتقاطع مع دائرة الشعر: بحث مستمر على فراشات الحياة داخل المقبرة المفتوحة التي تأوي اللغة جثثا. ليس من قبيل الصدفة إذن أن يجترح الشاعر رشيد منسوم ديوانه الجديد بهكذا عنوان "طعم لأسماك طائرة". إنه يراهن على شعر المراوغة والتمويه والاصطياد والتلصص على الأسماك في أكوريوم اللغة. يراهن على شعرية تقفز على ذاتها إلى السماوات الزرقاء وتجعل من سؤال الكتابة سؤالا محموما بشبقية الحياة ومن المتلقي طرفا في جريمة الاصطياد.
سؤال الكتابة والواقع
إن الشاعر في "طعم لأسماك طائرة" وهو يتواطأ مع اللغة ويقترف جنحة الشعر يمتد تواطؤه إلى حد نصب شرك الخديعة للقارئ الافتراضي من خلال أمرين اثنين:
الأول: إيهام المتلقي برصد الواقع ونقل أحداث يعيشها الإنسان المعاصر والتي تشكل مادة خاما يرتوي منها الديوان، وينطلق هذا الرصد من التسلط والهيمنة التي تمارسها العولمة المتوحشة وانهيار الأبراج وفضيحة تسونامي وما يترتب عن كل ذلك من تلاشي الذات الإنسانية وما أصبحت تعيشه من تصحر وجداني ومصادرة للقيم النبيلة.
يقول الشاعر في قصيدة تسونامي الصفحة 10
" الشعر
أكوريوم
لأهش كائنات العالم
و
يحدث أن تشتهي الطبيعة
ذاتها
وتتنصل من مكياج اللغة
ثم
تهيج
يحدث أن تنكسر أحلام
العالم
أسفل الصفحة
فيختلط الكل
بالكل..."
ثانيا: يطرح سؤال الشعر المثقل بهموم الكتابة، فالتقاط الحدث (تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وفضيحة تسونامي) هي التفاتة شعرية رائعة ومجال خصب للتخيل المفتوح على سؤال الإبداع في علاقته برصد تداعيات الواقع. بمعنى آخر، إن الشاعر استطاع أن يمنح بطاقة هوية لديوانه تستمد مشروعيتها من كونها ظاهرة مائية وانفجارية تميز بحيرة الشعر المعاصر حيث نجد أنفسنا بشكل مفاجئ أمام تسوناميين. تسونامي الحدث الواقعي وتسونامي النص الشعري. أمام تفجيرين. تفجيرات نيويورك وتفجيرات أبراج الصفحة. وما بينهما تحضر رسالة sms ما لم يخبرنا به الحدث الواقعي.
الرسالة الشعرية أو sms "طعم لأسماك طائرة"
مما لاشك فيه أن كل عمل إبداعي هو رسالة إنسانية و "طعم لأسماك طائرة" يتميز على هذا المستوى بظلال وارقة تشمل سؤال الذات وتجعل من مأزق الاغتراب لحظة اصطياد ولو "بيد لا تصطاد شيئا" لحالة نفسية تنكشف على أبراج حواشي الصفحة و "جمالية الضياع" و " ضياع فراشات المعنى".
يقول الشاعر في قصيدته "وكأني أمسح سحابا عن ظهر ريح"
من زمان بعيد
والجسد رسالة sms
تحلق في سماء الخيال لم تصل بعد
من زمان بعيد
ووطن الشاعر حديقة تفاح
بدون ظلال
لذا لن أمدح ثمار حديقتك
الآيلة للسقوط"
إن هذا الاصطياد محاولة ذكية لرصد تسونامي الحدث وتسونامي النص؛ التفجيرات الحدث والتفجيرات النص حيث تتلاشى الأحداث مع الذات فتتحول إلى وهج يخلق انفعالا يستحق النظر إليه إبداعيا حيث يلتحم فيه الواقع بالمتخيل لحد الهيجان والاحتراق.
يقول الشاعر في الصفحة 68 في قصيدته " فضاءات جرح"
" لو لم تكن عيناك
فراشتين
تحرقان أوتار قيثاراتنا
حين تداهمنا سماء الخريف
لما أحسست بك
...
شبه مؤكد
أنني سأعود إليك
كلما شردتني أقواس الألم
لنخترع لقلبينا سراب المسافات "
أمام هذا الوضع، يأخذ الشاعر هدنة مع الحدث على صفحات الجليد الباردة. تتجاوز التودد والمغازلة إلى حد التلصص على الذات واللغة عبر ثقوب العالم وتنتقل عدوى التلصص من الذات المبدعة عبر النص اللامتناهي إلى المتلقي ليصير الكل داخل دوامة البحث عن السعادة. وهكذا يصعب التمييز بين الحياة والشعر وبين الشاعر والقارئ على الرغم من ذلك فالقصيدة لا تتنفس في وهج الواقع وإنما تتنفس إبداعيا ورمزيا فوق الورق مما يجعل الرؤية الشعرية أكثر عمقا.
يقول الشاعر في قصيدة تسونامي الصفحة 11
" نصحوا
مثل فراشات هولدرلين
الوديعة
ونعيد بناء المربع الشعري
بما تبقى
من ريش المعنى
من حليب الورق
ومن شهد الخسارات " .
لعبة الماء والنار، عمق الرؤية الشعرية
وإذا كان الشاعر محموما بأسئلة الكتابة الحارقة وأسئلة الواقع وموقع الذات من العالم، فإن ما يميز الشعر عن باقي الأجناس الأدبية كونه تعبير عن ومضة نفسية محددة في الزمن ومصبوغة برؤية خاصة للشاعر في تواطؤ جميل مع اللغة. بدون شك، "طعم لأسماك طائرة" لا يخرج عن هذا السياق فهو يحاول أن يلتقط واقعا جحيميا يبعث على اليأس والتلاشي الممتدين على مسافات الصفحات ضمن سياق رؤية شعرية تفضح الواقع المرير وتتطلع إلى التغيير في محاولة لرسم ملامح مستقبل لم يكشف عن وجهه بعد.
وما بين الحاضر والمستقبل، تحضر ثقافة الضوء والماء والنار وظاهرة التلصص والانفلات كخصائص مميزة للتجربة الشعرية.
وهكذا تنبعث حركة توتر ناجمة عن صراع الذات مع اللغة والموروث؛ تؤسس لرؤية تحاول الرد على ظرف موضوعي بتعبير جمالي وفني. يحتفظ المبدع ضمنها بحق الحركة بين الكائن والحلم والمسافة بينهما هو ما يجسد الحرية. من هذا المنطلق تتخذ الرؤية الشعرية في "طعم لأسماك طائرة" كمتحقق منطلقا وهدفا لإعادة النظر في ما هو موجود فتجعل الإنسان يقفز من البحر وينفلت مطرا من سحابة اليأس كما ينفلت من اللغة بينما يجعل من القيم الإنسانية صيرورة دائمة عبر أكوريوم اللغة. لنصغ إلى قصيدته "وكأني أمسح سحابا عن ظهر ريح" الصفحة 28
" كأن عيني كاميرا لمسودات العالم
فتحت للتو
على سقف القيامة
بمعنى آخر،
فراشة الشعر لها لسان طويل
وفاضح
تتحلى بجسارة مفرطة
وهي تصفي حساباتها معي " .
شعرية الأسماك الطائرة
إن ضراوة الأحداث التي يرتوي منها "طعم لأسماك طائرة" وفاجعتها جعل الرؤية الشعرية تتوهج في تناسق وتناغم مع الذات المبدعة وموقعها من العالم ونظرتها له لتتراحب وتشمل الفضاء والزمن اللامتناهيين، بينما تجعل الإنسان مركز انشغالها واشتغالها، لتتوارق ظلالها وتشمل اللغة والصورة والكائنات والحوار والرموز. إلا أن هيمنة تسونامي النص على الديوان، جعل القصائد تتميز بالوحدة على مستوى الموضوع والرؤيا والصيغة لتمتد إلى اللغة التي تتعدى مستوى الوصف إلى مستوى الكشف والفضح مما دفع الشاعر لارتكاب جنحتين:
- جنحة التواطؤ الجميل مع اللغة على الرغم من إيهام المتلقي بعفويته وتلقائيته.
- جنحة الشعر وهو يحاول الإمساك بخيوط السعادة لحظة التشظي السحري.
وهنا نتساءل كيف يعقل لهذا الشاعر العائد من عالم الأموات "سلام عليكم، أيها النائمون" أن يرفض التواطؤ مع الواقع بينما يقبل التواطؤ مع اللغة؟ ففي إطار تصالحه مع الذات في قصيدة "شيء من بياضها" نصب لنا الشاعر فخا جميلا ليسقطنا في حب الشرك مع سبق إصرار وترصد ويورطنا، من خلال تلصص وديع، في جنحة الشعر حين تمتد أنامله السحرية إلى ذواتنا. فهذا التورط الذكي دفع "طعم لأسماك طائرة" وهو يعيش المخاض أن يرسم للمتلقي صورة عن المعاناة. معاناة التجربة الشعرية، معاناة الإحساس، معاناة النص إن على مستوى اللغة أو الإيقاع أو الدلالة أو الصورة. هذه الأخيرة تنسجم حد التماهي مع سياق الرؤية الشعرية التي نسجها الشاعر لتعطي شحنة دلالية وحركية قوية للنص تصل حد الهروب من الموت. والبحث المتعطش بلغة جامحة وتواقة للحياة ليقف احتجاجا ضد كل مظاهر السقوط والتلاشي. الذات/ الإحساس؛ النص/ الحياة في متاهات الكون المعتمة رافضا كل أشكال التسلط والمصادرة (كارثة تسونامي- وهيمنة العولمة المتوحشة).
وقد أشار الشاعر الأستاذ حسن نجمي في سياق تعليقه على التجربة إلى كون الشاعر يمتح من الثقافة البصرية وينتصر لإيقاع الصورة. ومما يضفي بعدا جماليا انفتاح الرؤية على المعجم الطبيعي المكثف الذي انعكس على إيقاع اللغة والصورة فهو يؤكد غير ما مرة أنه صديق حميم للأشياء والموجودات (الأشجار، الفراشات، الزهور، المرأة، الأوراق، اللغة، قوس قزح، الماء، الأسماك...) تخلق معها الألفة مادامت تبعث فينا الحياة. ويزداد النص توترا كلما زاغت الكلمات عن سياقها التداولي إلى آخر أكثر دلالة وأكثر شعرية لتنفتح لأكثر من تأويل ضمن رؤية شعرية عميقة خصوصا حين تأخذ بعدا تيميا:
* الماء (البحر، الأكوريوم، المطر، النهر، البحيرة، الغدير) حيث يحتفي بثنائية الموت والحياة الحاضر المنحط والمستقبل الموشوم بالأمل.
* التصحر والتلاشي على مستوى الإحساس والنص والعالم (الصفحة القابلة للتحول وللتلاشي/ الفراشة الذائبة في صحراء الحواس/ أكتب شعرا سرعان ما يتلاشى/ يا طاووس الصحراء/ تتطاير كؤوس العالم عند نقطة التلاشي)
* الطبيعة (التلال، الوديان، الحقول، السماء...) فنجد أنفسنا ونحن نعلق في طعم قراءة النص أننا فراشات مرة وأسماك مرة أخرى؛ أننا أشجار مرة وحقول مرة أخرى.
ويستحضر الشاعر إلى جانب هذه العناصر الكونية، عنصر التناص ليجعل من ديوانه طلسم لأصوات متعددة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فالأول اقتضته الرؤية الشعرية المبنية على فضح الواقع ووحدة الموضوع التي يرتوي منها الديوان؛ أما الثاني، فحضور العديد من الأسماء الشعرية كلوركا وعبد الكريم الطبال وهولدرلين ومحمد بنطلحة هو حضور يسند الرؤية الشعرية ويستفز مخيلة القارئ ليجعل منه باحثا بامتياز وعنصرا فعالا في بناء المعنى الشعري. ولا يخرج عن هذا الإطار النصوص المرافقة لهوامش قصائد الديوان والتي جعل الشاعر منها مركز انشغاله واشتغاله.
إذا كانت الكتابة الشعرية في ديوان "طعم لأسماك طائرة" واعية بذاتها، يراقص الشاعر من خلالها فراشاته وأسماكه المجنحة على إيقاعات البحر والموج تجسيدا للحلم الجميل المتشظي في آن والمترامي حد الهيجان؛ فإنها منحت للنص سلاسة لغوية متفردة تتميز بموسيقى وحركة داخلية مفعمة بالحياة. هناك حيث تفقد الأشياء والكائنات سكونيتها لتدخل في حوار مكشوف مع الذات والعالم والنص.
و مهما تكن القصدية النبيلة لرشيد منسوم فلن نغفر للشاعر هذا التواطؤ الوديع مع اللغة ضدنا. حين تسللت كائناته إلى ذواتنا على حين غرة. كائنات متفانية في التلصص عبر ثقوب العالم . كائنات تورطنا في اقتراف جنحة الشعر. كائنات تجيد بحق الصيد بلغة الأسماك.
ألقيت هذه الورقة بمناسبة توقيع ديوان "طعم لأسماك طائرة" للشاعر رشيد منسوم بالمركب التربوي أغبالو بأوريكا |
|
|
| |
|
|  |
|